صديق الحسيني القنوجي البخاري
42
فتح البيان في مقاصد القرآن
ويجعلون لأنفسهم ما يشتهونه من البنين ، والجملة مستأنفة أو في محل النصب على الحال من الواو في يجعلون هذا . ثم ذكر سبحانه كراهتهم للإناث التي جعلوها للّه سبحانه فقال : وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى أي إذا أخبر أحدهم بولادة بنت له ظَلَّ صار وَجْهُهُ مُسْوَدًّا أي متغيرا ، وليس المراد السواد الذي هو ضد البياض ، بل المراد به الكناية عن الانكسار والتغير بما يحصل من الغم والحزم والغيظ والكراهة ، والعرب تقول لكل من لقي مكروها قد اسود وجهه غما وحزنا . قاله الزجاج . وقال الماوردي : بل المراد سواد اللون حقيقة ، قال وهو قول الجمهور والأول أولى ، فان المعلوم بالوجدان أن من غضب وحزن واغتم لا يحصل في لونه إلا مجرد التغير وظهور الكآبة والانكسار لا السواد الحقيقي . وَهُوَ كَظِيمٌ أي ممتلئ من الغم غيظا وحنقا ، يقال كظمت الغيظ كظما وكظوما ما أمسكت على ما في نفسك منه على صفح أو غيظ ، وربما قيل كظمت على الغيظ وكظمني الغيظ فأنا كظيم ومكظوم ، وكظم البعير كظوما لم يجتر ، قال الأخفش : هو الذي يكظم غيظه ولا يظهره ، وقيل إنه المغموم الذي يطبق فاه من الغم ، مأخوذ من الكظامة وهو سد فم البئر . قاله علي بن عيسى ، وقد تقدم في سورة يوسف . يَتَوارى أي يتغيب ويختفي مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أي من سوء الحزن والعار والحياء الذي يلحقه بسبب حدوث البنت له ، تعلق هنا جارّان بلفظ واحد لاختلاف معناهما ، فإن الأولى للابتداء والثانية للعلة ، أي من أجل سوء وسؤوها من حيث كونها يخاف عليها الزنا ، ومن حيث كونها لا تكتسب ومن حيث غير ذلك . أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ قال اليزيدي : الهون الهوان بلغة قريش ، وكذا حكى عن الكسائي ، وحكى عنه أيضا أنه البلاء والمشقة . وقال الفراء : الهون القليل بلغة تميم . وعن الأعمش : أنه قرأ أيمسكه على سوء أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أي يخفيه فيه بالوأد كما كانت تفعله العرب ، والدس إخفاء الشيء في الشيء فلا يزال الذي بشر بحدوث الأنثى مترددا بين هذين الأمرين ، والتذكير في يمسكه ويدسه مع كونه عبارة عن الأنثى لرعاية اللفظ ، وقرأ الجحدري أم يدسها ويلزمه أن يقرأ أيمسكها ، وقيل دسها إخفاؤها عن الناس حتى لا تعرف كالمدسوس لإخفائه عن الأبصار . أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ حيث أضافوا البنات التي يكرهونها إلى اللّه سبحانه ، وأضافوا البنين المحبوبين عندهم إلى أنفسهم ، ومثله قوله تعالى : أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى [ النجم : 21 ، 22 ] قال السدي : بئسما حكموا بقول شيء لا يرضونه لأنفسهم فكيف يرضونه لي .